الاثنين

قويّة من باب اللعب



كبرت بحيث لم يعد ممكناً أن أختبئ تحت مائدة الطعام ولا وسط حصيرة أو زربية، كبرت بحيث لم يعد متاحاً أن أختبئ وسط الدولاب ولم تعد تلك الفكرة الباردة بأن أختبئ داخل الثلاجة تراودني، لم يعد وارداً أن أختبئ تحت الفراش ولا أن أقطع نَفَسي تحت البطانية، كبرت وأصبح العالم هو الذي يختبئ في مكان مّا منتظراً أن أسامحه ليخرج إلي، هذا العالم الذي لا يعلم -كما يبدو- أنني لا أعدّ حتى العشرة ولا المائة في انتظار خروج من يلعبون الغميضة ليضحكوا علي أو لأضحك عليهم.

والآن، كما لو أنني دمية، تعاني من نزاهة صاحبتها، الطفلة التي ترفض أن تقتلع رِجلي أو يدي أو أن تضفر شَعري أو تقصه، الآن حيث لستُ أبتغي طفلة نزيهة تعتني بي وتحافظ علي بل طفلةً مُهمِلة وعنيفة تلوّح بي صوب التلفاز وهي تقهقه.

أنا من جيل قُدّرَ عليه أن يزرع كل شيء كي لا يجف ولو ظاهرياً، ابتداءً من زراعة الشَّعر والشِّعر، إلى زراعة الرّعشة.

في ماذا سوف يهمّ كلّ هذا عالماً ثرثاراً لا يصمت، ولأنّني لا أستطيع ضرب صدره برأسي كما فعل زين الدين زيدان يوماً، فأنا من يصمت على الدوام حتى إشعار آخر، عالمٌ كلما رغبت في ركله على مؤخرته، ركض كعدّائي المسافات القصيرة وهو يصرخ: “لا مؤخّرة لي، لا مؤخّرة لي”.

في ماذا سوف يهمكِ كلّ هذا؟!

الحشرات الصغيرة التي تقف على رؤوس الأبواب والدواليب محقة أكثر منا عندما تجزم أنها تطل على الكون بأكمله من الأعلى.

ربّما أنت إحدى هذه الحشرات يا صديقتي، يومها وقبل أن أهمّ بالمغادرة، وعندما رمقتِني بتلك النظرة المبلَّلة والمبلِّلة عرفتُ أنكِ كشَفتِ الخشنةَ كملمس الغراب، كشفتِ الألم الخفي والظاهر، ولوعة الهاربة من اسمها، الضائعة ليس في المترو بل في لغة لا تدل عل مقاصدها والضائعة في المقاصد التي لا تستوعبها لغة، كشفتِني.

لابد أنك أنت الأخرى كنتِ تحركين الأغصان لتُطيّري العصافير من أعشاشها، وهكذا فقط تشعرين أنك تطيّرين العصافير من على كفيك، من دون أن تنتظري تصفيق أحد، وماذا يعني أن يصفق لك الجميع، عندما تُوضع الوردة في المزهرية تفقد رائحتها.

بغباء استيقظت الأميرة النائمة لما قبلها الأمير، لو أنها تعطيني مثلما أعطتكِ نومتها الطويلة وتحتفظ بالأمراء وقبلاتهم، لو، لو؟!

لم أعرف اسمكِ ولا أغنيتك غير المفضّلة، كنتُ مأخوذة بالشجيرات الصغيرة التي زرعتِها على وجهك لتسقط عنه الأوراق الصفراء، وكان الآخرون يمرون من أمامك وهم يطيلون النظر إليك، منهم من يبتسم لك دون أن تتنبهي له ومنهم من كان يأكلك كما لو أنّه يأكل طرف لوحة أدخلته في صداع جمالي نصفي، شأني.

هناك حيث كنت تجلسين على مقربة من الميناء في فالباريسو، لا يهربون من المجانين ولا يخافونهم، هذا إن اعتبروهم مجانين بالأساس، من هناك تطلقين شتائمك، شتائم جيدة من امرأة عارفة.

قبعتك الحمراء والمساحيق الكثيرة على وجهك، الخواتم المقشرة في كل أصابع يديك، ملابسك غير المتناسقة الألوان وغير المرتبة، عيناك السوداوين المرفوضان حين بلا مراوغة يهجمان” لا أنا و لا أحد”، رائحة التبغ في أصابعك وشعرك وأذنيك، دموعك المختلطة بالكحل والتي فاضت عن حاجة عينيك لا عيني، تنقلك المستمر بين قنوات الراديو دفعة واحدة، غناؤك وبكاؤك في آن، ليس هذا ما أربكني، بل هو دخولك في مونولوج عجيب بينك وبين نفسك، مونولوج ليس مطلوباً من أحد أن يفهمه، أيقنتُ أنك ممن يهوون تهديم بيوت العناكب لأنهم لن يتمكنوا من السقوط فيها، لو تعرفين كم نتفق على هذا، لو أنك تعرفين إلي أي مدى نجحتِ في إخراجي من حيادي العاطفيّ.

أكنتِ ضحية من يُعبّدون الشوارع الكبيرة للأرواح الضيّقة، ويحاصرون الفضاء الحر داخل أزقة ضيّقة، ضحية حياة تطبل وتزمّر للمزيفين! أم هل كان حزنكِ عظمة شهية ما رميتِها لكلاب سعيدة ستصوم عنها.

إننا نرث المحبة العظيمة ممن يحبوننا ولا نعرفهم، وليس ممن نحبهم ويعرفوننا، أحببتُكِ، لأنك جعلتني أصدّقك، أدعو لك بمزيد من الصراخ الحاد حتى يهدأ قلبك الحزين، يا قوية من باب اللعب!

سيقول قائل: “ومالجديد؟ ثمّة آلاف المجانين في بلادنا بالصفات نفسها التي ذكرتِ”.

هذا صحيح، لكنّها كيمياء، حالة شعريّة، سقف تشتهي أن ترتطم به دوناً عن غيره لتشعر بألم أحدّ وأصفى.

يريد العالم وبأيّ شكل أن يمضي نحو الأجمل: عيادات نفسية، صالونات تجميل، سجون. لو أنّه يختار نفسَه لكنا في حال أفضل، لكنه لا يفعل ولهذا سيصل في النهاية إلى إحساس فوتوغرافي في الستينيات اكتشف أثناء تحميض فيلم زفاف صوّره بمفرده أنه محروق.

بعضهم لا يعيش كفايةً.

بعضُهم  لا يموت كفايةً.

وبعضُهم الآخر لا يعرف كفايةً إن كان يعيش، أو يموت.

اكتب تحت اللون الأسود أحمر.

اكتب تحت اللون الأصفر أزرق.

اكتب تحت اللون الأخضر وردي.

حرِّرْ.

تحرَّرْ.
جميع الحقوق محفوظة لــ mezafast 2015 ©