الثلاثاء

التجربة الهولندية: لماذا عبرت البطة الطريق؟



التجربة الهولندية: لماذا عبرت البطة الطريق؟


1- البط المحظوظ “واثق الخطوة يمشي ملكاً”!

وكأنه مشهد من فيلم رسوم متحركة كارتون: البطة تمشي بخطواتها المضحكة بكل هدوء في الطريق بجوار البشر، وخلفها بطاتها الصغيرات الجميلات، ثم تدخل مساحة الأعشاب والأشجار التي تظهر فجأة في كل مكان من المدينة، ثم تسبحن في النهر بهدوء.

حين رأيت المشهد بالصدفة في مدينة لاهاي (دين هاخ) في هولندا، فكرت أن هذا البط المحظوظ يشعر بالأمان التام. لم يفكر أي شخص في أن يأكل هذا البط، لا جوعى هنا، لم يفكر أحد أيضاً في أن يؤذي البط من باب التسلية البحتة، في مصر يتسلى كثير من الأطفال بقتل العصافير، أو إغراق الكلاب الصغيرة، أو تعذيب القطط والضحك على صراخها، لا عابثين قساة هنا.

أثناء سفري لأي دولة أوروبية وجدت نفسي أكثر من مرة أمارس سلوكيات الخوف المصرية، مثل إبعاد الهاتف المحمول حين أسمع صوت “موتوسيكل” قادم، الجري عند عبور الشارع، عدم التوقف للكلام مع أي شخص في شارع مهجور مساءً.

في مصر دائماً البشر خائفون، سواء من الاعتداء الهادف: سرقة أو تحرش، أو حتى الاعتداء العبثي تماماً، تعرّضت مرتين لضربة عشوائية من شباب على “موتوسيكل” مسرع من دون أي سبب إطلاقاً إلا كونهم يتسلون.

تذكرت الرواية الشهيرة عن ذروة عصر عمر بن عبدالعزيز في تاريخ الدول الإسلامية؛ خلال السنوات الثلاث التي حكم فيها عمر بن عبدالعزيز فاضت الأموال حتى لم يجدوا فقيراً أو محتاجاً، فقال: “اشتروا بها قمحاً وانثروه على رؤوس الجبال كي لا يقال جاع طير في عهد عمر”، لست متأكداً من صدق الرواية تاريخياً، لكني أفهم تماماً السياق الذي أنتجها.

المناخ العام من الأمن والرفاهية يشمل الجميع، حالة من الوعي الجمعي في المجتمع كله، حتى حيواناته.

في يوم البط المحظوظ مساءً، كنت أمر أمام سياج حديدي يظهر ما وراءه، ففاجأني مرافقي: “هل تعرف أين نحن؟ هذا هو القصر الملكي الخاص بالاحتفالات”!

لم أشاهد حارساً واحداً أمامه، وبكل بساطة رفعت الكاميرا، والتقطت صورة. بعد قليل مررنا داخل المجمع الحكومي لنختصر طريقنا، في المجمع مبنى البرلمان ورئاسة الوزراء ووزارة العدل، مررنا وسطها والتقطنا الصور الساعة الثانية صباحاً، ولا يوجد حارس واحد.

تذكرت مصر حيث يتطوع “المواطنون الشرفاء” باستجواب أي شخص يرفع كاميرا في أي شارع، وحيث تقف قوات كافية للحرب أمام المقار الحكومية.

حكمتم، فعدلتم، فأمنتم، فنمتم يا هولنديين!

2- إنهم يراقبون البط

أقترب من البط لألتقط صورة فأنتبه لما لم يظهر في النظرة الأولى، كل بطة توجد أسورة دقيقة في قدمها، حتى البطات الصغيرات، أسأل فأعرف أن كل حيوان في هذه البلاد سواء كان برياً مثل هذه البطات، أو مملوكاً للمواطنين، يتم وضع جهاز جي بي إس دقيق في جسده ليكون دائماً معروفاً مكانه. حكى صديقي عمرو الشورى أنه ذهب إلى النرويج إلى كوخ أعلى جبل يستغرق صعودة ساعتين بالسيارة، حيث لا طرق مرصوفة، ولا كهرباء، ولا مياة إلا الأنهار الطبيعية، ومع ذلك كان لكل حيوان هناك الجهاز نفسه!

شاهد نعجة صغيرة مصابة بكسر في قدمها، أشفق عليها فحملها حتى أقرب منزل ليطلب المساعدة، فقال له سكان المنزل: “لماذا أحضرتها؟ شاهدناها قبلك وطلبنا لها الإسعاف”! وبالفعل جاءت سيارة الإسعاف بسرعة إلى قمة الجبل.

من المشاهد الكلاسيكية في الأفلام المصرية الادعاء بأن حالنا أفضل من الغرب مهما بلغ تقدمه، لأن هناك كل شخص يعيش في حاله، ولن تجد من يسعفك لو سقطت في الطريق، بينما نحن هنا قلبنا على بعضنا. لم يخبرونا أنه لا أحد سيساعدك هناك، لأن سيارة الإسعاف المجهزة ستأتيك ببساطة بعد دقائق، لا حاجة لأن يرتكب أحدهم خطأ طبياً في محاولات متحمسة غير مدروسة.

أتذكر كلام صديقي طلال فيصل المقيم حالياً في ألمانيا عن الاستغراب البالغ من الموظف الألماني من عدم رده على البريد والهاتف لأسبوعين فقط. قال طلال إن الدولة هنا حاضرة دائماً، دولة تتدخل في كل التفاصيل إلى حد لا نتصوره، نحن من اعتدنا على غياب الدولة أصلاً رغم ادّعائها قوتها وهيبتها.

في الغرب الدولة لا تترك أي شيء دون محاولة إخضاعه للتنظيم و”العقلنة”. سندرس تفاصيله بدقة، ولو كان هذا شيئاً مفيداً سندعمه، ولو ضاراً سنحاربه، لكن من غير الوارد تركه في حاله.

أتذكر في نظريات ميشيل فوكو عن أن الدولة الحديثة قوتها في “الدفتر”. في النظام الإداري الذي يعرف كل شيء، يعرف وجود كل شخص وغيابه وتصرفه، هذه أداة أقوى في السيطرة على الأجساد من أي أداة أخرى، لذلك لم تعد الدولة بحاجة إلى العقاب البدني كالتعذيب والقتل كما كان في السابق.

في هولندا تجاوزوا مرحلة انتخاب البرلمان والمحليات، لينتخبوا بشكل مباشر مجالس المياه المسؤولة فقط عن كل ما يخص الماء سواء قنواته: السدود، الردم، تحويل المسار، أو صنابيره: نقاء المياه، توصيلها، سعرها. كان يمكن أن يكتفوا بتفويض وزير المياه بذلك، أو حتى اشتراط موافقة البرلمان المنتخب على قرارات المياه، لكن شعورهم بأهمية القضية لبلادهم التي يصب بها أكبر عدد من أنهار أوروبا، وهي من أكثر بلاد العالم بناءً للسدود، كان دافعاً لوضع آليات أكثر صرامة ومباشرة.

فعلاً لا توجد حراسة ظاهرة على كل المباني الحكومية، لكنها كلها مراقبة بكاميرات دقيقة. المهم هنا هو مفهوم الكفاءة وليس الهيبة.

3- السر في “مصنع السيستم”

أقترب من البط فلا يهرب، هذا بط اعتاد السلوك المنضبط، أفكر أننا لو أحضرنا قططاً أو كلاباً ضالة من مصر، تلك المذعورة دائماً الجائعة دائماً، ستعتاد بعد أشهر نظام الحياة هنا، وتتحول لتلك الكائنات الآمنة الهادئة، النظام العام يؤثر على من يدخله، وهو بدوره يتحول إلى عامل مؤثر على كل جديد يدخل عليه.

في زيارة لسجن المدينة قابلنا قصة مدهشة، عم رضا الذي تحول إلى مستر رضا، عم رضا حالياً مساعد في قسم التأهيل النفسي بالسجن، ساعدنا وشرح لنا كثيراً، في لحظة صمت بلا مناسبة تمتم لنفسه: “الحمد لله إني مرحتش العراق”، سألناه فأجاب بأنه عام 1986 كان ذاهباً للعمل في العراق – هذا كان العصر الذهبي للعمالة المصرية حيث رجال العراق مستهلكون في حرب إيران – وكان كل ما يملكه هو خمسين جنيه ثمن تأشيره العمل هناك، بالخطأ دخل سفارة هولندا، قالوا له إنهم ليسوا سفارة العراق لكنهم أيضاً بحاجة إلى عمالة، وسعر التأشيرة 20 جنيهاً فقط. فكر: “طيب ما أجرب؟”.

عبر ثلاثين عاماً تعلم رضا اللغة الهولندية، ذاكر كثيراً ودخل برامج تدريبية عديدة، ونال جزاء اجتهاده، العمل والمنزل والجنسية والزوجة الهولندية، وأصبح له أبناء وأحفاد أوروبيون.

القصة مدهشة في تصاريف الأقدار، ومثيرة للإعجاب الشديد في المجتمع الذي يمنح الفرصة المتساوية للمجتهد بغض النظر تماماً عن لونه وديانته وأصله.

لكن جانبها الآخر أيضاً يثير التأمل في كفاءة آلية التنظيم المجتمعي هنا. كأن الدولة والمجتمع مصنع ضخم ينتج مواطنين صالحين، مواطن يجتهد في عمله ودراسته، ويدفع ضرائبه الكبيرة -متوسط 40% من الدخل- ويحترم قيم المجتمع كالمواطنة والحريات… إلخ.

عم رضا أخبرنا أن فيلم همام في أمستردام “بوظ عقول الشباب، وبقى كله فاكر هولندا جنة معمولة عشان تدلع الناس وخلاص، مش الناس لازم تشقى وتتعب عشان تلاقي”.

لو فشلت عملية تطويع الإنسان لهذا المصنع الضخم لإنتاج المواطنين الصالحين، سيتم التخلص منه كأي منتج فاسد من أي مصنع، سواء بالحبس لو كان هولندياً -لا يوجد لديهم إعدام، لكن عقوبة الحبس المؤبد يعني حتى الأبد حرفياً وليس 25 سنة فقط- ولو كان أجنبياً سيتم ترحيله إلى بلده فوراً.

هذا هو سبب أن المصري الكسول نفسه الذي يتأخر على مواعيده، ولا يتقن عمله، ويتحرش بالفتيات، ويكسر قواعد المرور وكل القوانين، ويتشاجر مع جاره… الخ، يتحول غالباً في الغرب إلى الصورة النمطية نفسها للمواطن الصالح المنظم الهادئ.

دائرة “مصنع السيستم” لديهم تعيد تقوية نفسها باستمرار، كما تعيد دائرة “مصنع الفوضى” تقوية نفسها لدينا. لدى البشر بشكل عام ميلٌ لاتباع السلوك الجمعي الذي يوجدون فيه أياً كان.

اللهم ارزقنا حظاً واجتهاداً كعم رضا، وأمناً وهدوءاً كالبط الهولندي، وأبدلنا بمصنع الفوضى “مصنعاً للسيستم”!

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ mezafast 2015 ©