الجمعة

حابس حابس يكفينا شر المِلَابِس


حابس حابس يكفينا شر المِلَابِس

الوهم نصف الداء كما قال ابن سينا أوكما نقول: الوهم نصف الإحساس، يخبرك شخص أن لونك شاحب فتشعر بإعياء بعدها، يأتيك الإحساس بالمرض من العدم، الإيحاء حسب علم النفس هو تثبيت فكره معينة في الذهن وإثارة استجابة انفعالية لها لدى العقل، نكون فريسة الإيحاء كلما قل اعتقادتنا في العلم والمنطق، فلا نبحث عن الأسباب الحقيقية لما يحدث حولنا، نميل أكثر إلى الراحة التي يخلقها تعطيل الدماغ، نكون مهيئين للشعور بأشياء غير موجودة من الأساس، وربما رؤيتها وسماع صوتها، ومن هنا برطعت العفاريت في الأجساد، ووجدت مهن الدجالين والعرافات، وأصبح هناك مافيا وبيزنس ضخم صُلبه الشعوذة والخرافات والأساطير يستفيد منه من أول العرّافات في الشوارع إلى بعض الإعلاميين خريجي الجامعة الأميركية.

لو أنت هايص أوكنت لايص تعال يالّا نشوف الهجايص

العرافات اللاتي ربما لم ينلن حظهن من التعليم ومع ذلك قادرات على التأثير في من نالوا هذا الحظ كاملاً مكتملاً، مهما اختلفت الطبقات الاجتماعية وحتي إن تقلدوا مراكز رفيعة في الدولة، فالتاريخ حافل بالحكايات عن نبوءات لعرافات؛ إن كانت الحكايات حقيقية كلها أو بعضها، لكن المهم أن بعضها حدث بالفعل، من أول العرافة التي تنبأت لمحمد علي باشا بأنه سيبلغ ذروة المجد وقالت النبوءة لأمه وهي حامل به، ومروراً بالملكة نازلي التي أخبرتها عرافة أنها ستكون ملكة مصر، وحديثاً السيدات الأولى اللاتي تنبأت لهن العرافات بحكايات متعددة، إذ إن التعامل مع تجار الخرافات غير مقتصر على الطبقات الاجتماعية الأدنى، الجهل غير مرتبط بالفقر أو عدم إكمال التعليم.

الجاهل لا يشكل خطراً إلا على نفسه وعلى محيطه الصغير، لكن إذا كان هذا الجاهل إعلامياً فقد أصبح للجهل منبر ينشره، وجمهور يصفق له، ويدفع من جيوبه ثمناً للإعلانات التي تجعل من هذا الجاهل وبرنامجه البرنامج الأكثر مشاهدة.

ست العرايس والبخت صايص يلزمها رقوة من عين بصايص

الشعب الذي يغمض عيونه عن مشاكله الحقيقية، ويبحث عن شماعة يلقي عليها أسباب الفشل، يتحدث عن المؤامرات التي تحاك ضده في مكان ما دائماً وأبداً، فبنت فلان متجوزتش عشان معمول لها عمل من فلانة اللي بتكرههم، وفلان الذي فشل في زواجه مربوط من فلانة التي كانت تحبه قبل الزواج، وهذه الفتاة تصرخ وترتجف ليلاً لأنها ملبوسة، وهذا البيت يحترق لوحده بفعل الجن والعفاريت، إذن الجن والعفاريت في عالمهم السفلي يتآمرون علينا ليل نهار.

الناس دي عايشة بعقول نصايص تنام وتصحى على الهجايص

إذا كتبت على محرك البحث جوجل: الجن والعفاريت، ستتصدر إعلامية بعينها نتائج البحث كأنها الراعي الأول لأخبار الجن والعفاريت في الشرق الاوسط، الإعلامية التي طلت علينا مؤخراً بحلقتين من برنامجها عن ثلاث أخوات ملبوسات بالجن وشغلت الحلقات مواقع التواصل الاجتماعي فيس بوك وتويتر بين مؤيد ومعارض وساخر، الإعلامية التي تجول تصنع خيراً وتعالج الناس من الأمراض العضوية، تجول تصنع شراً في الناحية الأخرى بنشر الخرافة والجهل، فالإعلامية الفاضلة أتت بطبيب نفسي في الحلقة الأولى التي ظهرت فيها الثلاث فتيات، الطبيب الذي ظهر غريباً وسط هذه الهستيريا التي لا تلتفت ولا تهتم بوجوده، تسأله الإعلامية المحترمة بعض الأسئلة التي لا تهتم بسماع إجابتها، يؤذن الطبيب في مالطا بأن البنات مريضات بما يعرف في الطب النفسي باسم الهيستريا التحولية، فتسأله المذيعة خريجة الجامعة الأميركية: “حضرتك مش مقتنع إن فيه جن “، يخبرها أن هذا ليس تخصصه، كيف ينفي هذا الرجل المسكين، كيف يواجه المجتمع إذا أنكر، مسكين العلم والطب في مواجهة الجهل والتخلف.

الطب النفسي غير مثير للاهتمام ولا يأتي بالإعلانات المطلوبة فنجد معالجاً روحانياً حضرته في الحلقة التالية، يدخل وسط ترحيب شديد وانتباه أشد لم يلاق نصفه الطبيب النفسي، وفي نهاية الحلقة تظهر الفتيات هادئات كأنهن شفين على يد هذا الشخص فعلاً، وماله فالإيحاء عظيم طبعاً.

حين يستقر في وعي الناس أن المرض النفسي مسبة لكن مس الشيطان يجعل الممسوس ضحية، فيتحول الدين إلى تجارة يستفيد منها من يستغلها بالشكل المضبوط، ولا مانع أن يجلس هذا التاجر الذي رأيناه في الحلقة المذكورة ليسب الطب النفسي باعتباره بدعة وكفر.


جيمس راندي وشهرته راندي المذهل، هو كندي أميركي، بدأ حياته كلاعب خفة أو ساحر أو كما يحب هو أن يطلق على نفسه مشعوذ، معروف بتحديه للعلوم الزائفة ومن يدعون امتلاكهم لقوى خارقة، هو صاحب مؤسسة جيمس راندي التعليمية، إذ على البرغم من بدايتة كلاعب خفة إلا أنه بعد التقاعد قرر أن يكرس حياته لمحاربة الخرافات وكشف مدعي امتلاك القدرات الخارقة، لدرجة أنه رصد جائزة قدرها مليون دولار لمن يقبل التحدي بالخضوع لاختبارات تُثبت امتلاكه لقدرة خارقة إذا ادعيى ذلك، وهو التحدي الذي لم ينجح فيه أحد حتى الآن.




راندي في بدايته كمراهق مازال يتعلم الحيل السحرية؛ كان حاضراً عرض أحد السحرة الذي طلب مساعدة أحد الحضور في العرض، رفع راندي يده، فقال الساحر له: “أنت أيضاً ساحر؟ أليس كذلك؟”، فاندهش راندي من قدرة الساحر على معرفته، وبعد انتهاء العرض سأل راندي الساحركيف عرف أنه ساحر؟ فأخبره الساحر أنه لم يعرف وإنما هي العادة فإن صدق ما يقول، نسب ذلك إلى قدراته السحرية وإن أخطأ كان ذلك من باب الدعابة، يقف  راندي بالمرصاد لمدعي القدرات الخارقة وأسقط شعبية كثيرين منهم بالفعل بعد أن كشف خداعهم للعامة.

أنا أدعو الدجالين والمشعوذين الذين يعج بهم عالمنا العربي، أن يصبحوا أثرياء ويخدموا العالم بقدراتهم الخارقة، ويخضعوا لاختبار جيمس راندي ويحصلوا على المليون دولار وألف ألف مبروك عليهم. ومن الآن وحتى يخسر جيمس راندي تحديه ومعه مليون دولار أدعوك عزيزي القارئ أن تشاهد فيلم البيضة والحجر إن لم تشاهده قبلاً، وحابس حابس يكفينا شر المِلَابِس!

ليست هناك تعليقات

جميع الحقوق محفوظة لــ mezafast 2015 ©