شارع كارل ماركس التركي
كان الأمر يشبه التحدي، لابد وأن أمشي شارع كارل ماركس إلى نهايته.
كنت قد تمشيت بطول الطريق الطويل الذي يقود من الكافيه الذي تعودت أن أزوره في برلين إلى حيث الهيرمان بلاتز، الميدان الذي ينطلق منه شارع كارل ماركس الشرقي، كنت أتأمل من يقبلون علي، ومن أتخطاهم، بفضول لم يقتله التعود، ميزت مع الوقت اختلاف الحجاب التركي عن الحجاب العربي، أو هكذا ما تخيلت، رأيت نساء شقروات وسمراوات شهيات، ونساء أوغلن في السن، وامرأة قصت شعرها كرجل، وكانت ملامحها كرجل، ولولا ثديين بارزين لحسبتها رجلاً، رأيت حتى سيدة تشبه تماماً نبيل الدسوقي، الممثل القديم، ولم أعرف إن كان التعاطف شعوراً مناسباً تجاهها أم أن هذا شيء طبيعي لا يفسد الحياة.
رأيت رجالاً متوسطي العمر، وبعضهم يزتدي ملابس تعود في هندامها إلى سني السبعينيات، وذكرني هذا بمدرس قديم في مدرستي الثانوية، تاه في تلافيف العمر إلى الدرجة التي جعلته مازال يرتدي الشارلستون الواسع في سنين التسعينيات.
شابات في مقتبل العمر، وفي مقتبل الحياة، يرتدين الهوت شورت كاشفات عن جمال فتي مازال يحتفظ بفضوله.
بالمشي منذ حداثتي، كمولد من مواليد وسط المدينة التي أحياناً ما تقودك لكي تكون أكسل خلق الله أو لتكون مجنوناً بالمشي مثلي، حين أكون في الإسكندرية لي عادة محببة: أن أنزل من محطة سيدي جابر، لأمشي في شارع أبي قير بطوله، حتى حديقة الشلالات، لأكمل في شارع فؤاد، حتى أنحرف يميناً صاعداً إلى محطة الرمل، ثم أمشي بطول الكورنيش راجعاً إلى فندقي المفضل في كامب شيزار، في مرة أصيب أحد السكندريين بالارتياع لخطتي وقادني من يدي مجبراً إلى حيث الترام.
في مرة كتبت رواية كاملة عن فعل المشي، وكان اسمها، ولا عجب، القدم. وعندما يبلغني بعض القراء بحبهم لها أسعد جداً، كانت القدم تجربة موغلة في التجريب كعادتي، واستعارت السياق المتشظى لعقولنا أثناء المشي كبناء، فأحياناً نفكر في ذكريات متداخلة، وأحياناً يقطع هذا التيار انتباه وقتي لحادث في الطريق، أو تأمل لواجهة محل أو لبشر يعبرون الطريق.
كان السرد مترادفة باستلهام لتشظي الحكاية عند القرآن، حين يذكر الحكاية ذاتها في مواضع متفرقة، وإن كان وفياً لجذور الحكي الأوروبية مع ذلك، وبينما أنا أمشي في الكارل ماركس، لاحظت مثل هذا التداخل من ميراث شرقي وغربي معاً، في سياق آخر هو المصدر الذي نعب منه لنصنع جداولنا الصغيرة التي تخصنا: الحياة.
كانت التجربة أكثر إيغالاً من اليوم الثاني والعشرون مثلاً التي اعتمدت اللعب على تكنيك مشابه، كيف نتذكر الأشياء وكيف ننتقل بعقولنا من تفصيلة إلى أخرى بلا ترتيب، ولكن إن كانت الحكاية في اليوم الثاني ذات موضوع بعينه، وأنا ألعب في تفاصيله وكرونولجية سرده، فقد كانت القدم هي التشظي الكامل، حول حكاية صغيرة صلبة كنواة في داخل النص.
كنت أفكر أنه، بما أنني عنيد كبغل وسأتمم الشارع الطويل إلى آخره، فسيلزمني أن أنحرف يساراً في أي نقطة أختارها، قبل أن يتوجب علي أن أنحرف إلى يسار آخر، قد يكون بطول إحدى القنوات التي تفصل ما بين الجزر الصغيرة البديعة التي هي برلين، حتى أصل إلى نقطة توازي مكان منزلي. أملك حاسة جغرافية أثق بها، وأتركها لتأخد قدماي، كأحد من مواليد وسط المدينة الذي دربوا على فنون الإبحار في الشوارع، وتوخي أقرب النقاط التي يمكنهم الوصول عبرها إلى الهدف، أو لتجنب منزل أو محل أو ناصية بعينها مثلاً.
في المرة الأولى التي وصلت فيها ادنبرة قبل سنين بعيدة، أتذكر أنني قد مشيت بلا هدى غير قياساتي المنطقية -في زمن لم تكن فيه الهواتف الذكية أو برنامج الجوجل مابز شائعة- لمدة 4 ساعات متواصلة لأصل إلى ذات النقطة التي بدأت منها، غير بعيد أبدأ من مدرسة الجورج هارييت التاريخية، قريباً من مكان سكني آنذاك.
ساعتها عبرت بشارع البرنسيس آن، من دون أن أعرف اسمه، وهو ذات الشارع الذي بدأ فيه فيلم ترايسبوتينج الشهير، وحيث يتفرع منه شارع يوجد به بار بديع اسمه الرويال أوك، وهو البار نفسه الذي عبر منه بلال فضل مثلي، حين زار ادنبره، وأظن أن ذلك تم بغير ترتيب بعينه، مثلما فعلت بالضبط.
على العموم، أكملت الطريق حتى آخره، حتى تعديته ووصلت إلى بداية طريق سريع يقود إلى المطار وهامبورج، فقفلت راجعاً، ودخلت إلى الطريق الذي توجد على ناصيته محطة قطار نويكولن، لأمشي في منطقة جميلة، مليئة بالأشجار والهدوء، لأخذ قهوة سريعة في مكان لطيف، قبل أن أكمل رحلتي عبر الزونين شتراسه.
كان الشارع بديعاً إلى درجة لا تصدق في الربيع، بأشجاره الوارفة وجمال أبنيته، ويمكنك أن تراقب ساخراً اختلاط لافتات المحلات العربية بحقيقة كونك في أوروبا، ولتفكر ساخراً أنها منطقة محسوبة حتى الآن على الطبقة الوسطى -رغم ارتفاع أسعارها في السنين الأخيرة- وهي أكثر جمالا وسحرًا ونظافة من حالة مناطق النخبة في مصر الآن مثل المعادي أو الزمالك، وذات روح مدينية حقيقية أكثر من تلك المجتمعات العمرانية المغلقة على نفسها على أطراف القاهرة، خاصة في تلك الشوارع الجميلة الصغيرة التي تتفرع منه.
رأيت حافي الشوارب وبعض المنقبات والمحجبات، مع بعض الألمانيات من الجيل الثاني اللاواتي كن يحملن هذا المزيج القاتل: الجمال الشرقي والبشرة الغربية، الدلال الذي أعرفه في الجنوب مترابطاً مع حسن الذوق الشمالي.
أخبرني كافكا (أحمد فاروق) لاحقاً أن هناك رواية جميلة تحمل اسم شارع زونين، وقامت إحدى صديقاته بترجمتها، كنت فضولياً لأعرف ما إذا كانت الرواية تتناول الجالية العربية والتركية والكردية هناك، ولكن كافكا أخبرني أن الموضوع تاريخي وليس معاصراً.
كنت أفكر أن ما حدث منذ سنوات ثلاث -قاربت على الأربع الآن- كان هذا حلمه، أن يعيش الجميع مهما كانت انتماءاتهم في بلد يحتفي بقيم الجمال والاختلاف، وطن يقدر الحياة ولا يتغزل في الموت.
عبرت بشارع جانبي سيقودني إلى شارع آخر عبر القناة أخيراً، لكي أصل إلى حيث البيت الانتقالي، حتى أحضر بعض النسخ لكافكا وهيثم (الورداني)، ولكي نقضي بعضاً من الليل نتحدث عن مصر، مصر التي هي في خاطرنا، مهما كنا نمشي بين شارع كارل، وطريق كارل.


ليست هناك تعليقات